ابن كثير

36

البداية والنهاية

فسار حتى بلغ بلاد حلب ، وعليها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس ، فنزلوا على مسيرة يوم منها ، ومن عزم ملك الروم أن يستحوذ على بلاد الشام كلها ، وأن يستردها إلى دين النصرانية ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده " ( 1 ) وقيصر هو من ملك الشام من الروم مع بلاد الروم فلا سبيل لملك الروم إلى هذا . فلما نزل من حلب كما ذكرنا أرسل الله عليهم عطشا شديدا ، وخالف بين كلمتهم ، وذلك أنه كان معه الدمستق ، فعامل طائفة من الجيش على قتله ليستقل هو بالامر من بعده ، ففهم الملك ذلك فكر من فوره راجعا ، فاتبعهم الاعراب ينهبونهم ليلا ونهارا ، وكان من جملة ما أخذوا منهم أربعمائة فحل محجل محملة أموالا وثيابا للملك ، وهلك أكثرهم جوعا وعطشا ، ونهبوا من كل جانب ولله الحمد والمنة . وفيها ملك جلال الدولة واسطا واستناب عليها ولده وبعث وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح ففتحها ، وسار في الماء إلى البصرة وعليها نائب لأبي كاليجار ، فهزمهم البصريون فسار إليهم جلال الدولة بنفسه فدخلها في شعبان منها . وفيها جاء سيل عظيم بغزنة فأهلك شيئا كثيرا من الزروع والأشجار . وفي رمضان منها تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين بألف ألف درهم ، وأدر أرزاقا كثيرة للفقهاء والعلماء ببلاده ، على عادة أبيه من قبله ، وفتح بلادا كثيرة ، واتسعت ممالكه جدا ، وعظم شأنه ، وقويت أركانه ، وكثرت جنوده وأعوانه . وفيها دخل خلق كثير من الأكراد إلى بغداد يسرقون خيل الأتراك ليلا ، فتحصن الناس منهم فأخذوا الخيول كلها حتى خيل السلطان . وفيها سقط جسر بغداد على نهر عيسى . وفيها وقعت فتنة بين الأتراك النازلين بباب البصرة ، وبين الهاشميين ، فرفعوا المصاحف ورمتهم الأتراك بالنشاب ، وجرت خبطة عظيمة ثم أصلح بين الفريقين . وفيها كثرت العملات ، وأخذت الدور جهرة ، وكثر العيارون ولصوص الأكراد . وفيها تعطل الحج أيضا سوى شرذمة من أهل العراق ركبوا من جمال البادية مع الاعراب ، ففازوا بالحج . ذكر من توفي فيها من الأعيان . . . أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو الحسن الواعظ ، المعروف بابن اكرات ، صاحب كرامات ومعاملات ، كان من أهل الجزيرة فسكن دمشق ، وكان يعظ الناس بالرفادة القيلية ، حيث كان يجلس القصاص . قاله ابن عساكر . قال : وصنف كتبا في الوعظ ، وحكى حكايات كثيرة ، ثم قال : سمعت أبا الحسن أحمد بن عبد الله اكرات الواعظ ينشد أبياتا : أنا ما أصنع باللذات * شغلي بالذنوب

--> ( 1 ) تقدم تخريج الحديث .